وحدة الأديان - توحيد الأديان - الديانة الإبراهيمية - الدين الإبراهيمي - البيت الإبراهيمي

الدين الإبراهيمي الجديد وجذوره التاريخية

(وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم) [المائدة: 48]

ظهرت في السنوات الأخيرة مصطلحات مثل “الدين الإبراهيمي الجديد” و “البيت الإبراهيمي الكبير” كصورة للحوار والتعايش والسلام، الأمر الذي يستدعي إلقاء الضوء على دعوة التقريب بين الأديان وجذورها التاريخية.

فمن بين أكثر من ثلاثمائة مؤتمر من مؤتمرات التقريب بين الأديان، والعديد من المناسبات والاحتفالات المشتركة جرت في العصر الحديث، بالإضافة إلى الكتابات الصادرة من دعاة التقريب ومنظِّريه[1]، يمكن أن نميز ثلاثة اتجاهات، لا يفصلها حدود حاسمة في مجال التطبيق العملي الميداني، وتعمل كلها تحت مظلة (حوار الأديان Interfaith Dialogue)، وهذه الاتجاهات هي:

  • وحدة الأديان.
  • توحيد الأديان.
  • التقريب بين الأديان.

الاتجاه الأول (وحدة الأديان):

هو الاعتقاد بصحة جميع المعتقدات الدينية، وصواب جميع العبادات، وأنها طرق إلى غاية. وهذا الاتجاه، بطبيعة الحال يتسم بالدعوة إلى التخفف من السمات العقدية والتشريعية الخاصة بكل ديانة، بحسبانها ظواهر وتقاليد تاريخية محلية لشعب معين، في حقبة تاريخية معينة، والانضواء تحت مفاهيم عامة، وجمل فضفاضة.

ويمثل هذا الاتجاه في التاريخ زنادقة الصوفية من أرباب الاتحاد والحلول ووحدة الوجود، كالحلاج (ت. 309هـ) وابن الفارض (ت. 632هـ)، وابن عربي الأندلسي الملقب بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر (ت. 638هـ)، القائل[2]:

لقد صار قلبي قابلًا كل صورة فمرعىً لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهَت ركائبه فالدين ديني وإيماني

وتلقف هذا المعتقد من بعده مختلف الفرق الباطنية، ثم متصوفة العصر السائرون على خطى ابن عربي وأمثاله. ولعل أول من جهر بهذه الدعوة من الإسلاميين في العصر الحديث هو جمال الدين الأفغاني (1838-1897)، حيث يقول في خاطراته ما نصه[3]: «…ثم رجعت لأهل جرم الأرض وبحثت في أهم ما فيه يختلفون فوجدته (الدين)، فأخذت الأديان الثلاثة وبحثت فيها بحثًا دقيقًا مجردًا عن كل تقليد، منصرفًا عن كل تقيد، مطلقًا للعقل سراحه. فوجدت بعد كل بحث وتنقيب وإمعان، أن الأديان الثلاثة، الموسوية والعيسوية والمحمدية، على تمام الاتفاق في المبدأ والغاية. وإذا نقص في الواحدة شيء من أوامر الخير المطلق، استكملته الثانية. وإذا تقادم العهد على الخلق وتمادوا في الطغيان، أو ساءت الكهان فهم الناموس، أو أنقصوا من جوهره، أتاهم رسول بأرفاد وتأييد، فأكمل لهم ما أنقصوه، وأتم بذاته ما أهملوه.

وعلى هذا لاح لي بارق أمل كبير أن تتحد أهل الأديان الثلاثة مثل ما اتحدت الأديان في جوهرها وأصلها وغايتها وأنه بهذا الاتحاد يكون البشر قد خطوا نحو السلام خطوة كبيرة في هذه الحياة القصيرة. وأخذت أضع لنظريتي هذه خططًا وأخط أسطرًا وأحبر رسائل للدعوة، كل ذلك وأنا لم أخالط أهل الأديان كلهم عن قرب وكثب ولا تعمقت في أسباب اختلاف أهل الدين الواحد وتفرقهم فرقًا وشيعًا وطوائف»اهـ.

كما نحى هذا المنحنى بعض شعراء المهجر من النصارى العرب كجبران خليل جبران (1883-1931)، القائل تحت عنوان: (لكم فكرتكم ولي فكرتي) ما نصه[4]: «تقول فكرتكم: “الموسوية، البرهمية، البوذية، المسيحية، الإسلام”. أما فكرتي فتقول: “ليس هناك سوى دين واحد مجرد مطلق تعددت مظاهره وظل مجردًا، وتشعبت سبله ولكن مثلما تتفرع الأصابع من الكف الواحدة”. وتقول فكرتكم: ” الكافر، المشرك، الدهري، الخارجي، الزنديق”. أما فكرتي فتقول: “الحائر، التائه، الضعيف، الضرير، اليتيم بعقله وروحه”»اهـ.

ومن أبرز منظِّري هذا الاتجاه (وحدة الأديان) في العقود الثلاثة الأخيرة، المفكر الفرنسي روچيه جارودي (1913-2012)، ولكن من منطلق (إنساني) بالدرجة الأولى، قبل وبعد إسلامه عام 1982، ثم باستدلال (صوفي) بدرجة ثانية، بعد ذلك. وهو يطرح نوعين من الوحدة:

  • أحدهما: وحدة صغرى، وهي (الإبراهيمية)، ويهدف من ورائها إلى توحيد الأديان التي تعلن انتماءها إلى أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، أي: الإسلام والنصرانية واليهودية.
  • والآخر: وحدة كبرى، تشمل جميع الأديان والملل الوثنية، بل والملحدين! بجانب أن تلكم الوثنيات آثار نبوات سابقة، وأن الملحدين يؤمنون بـ(الإنسان) وأن للحياة (معنى)[5].

الاتجاه الثاني (توحيد الأديان):

ويُقصَد به المحاولات الساعية قديمًا وحديثًا إلى دمج جملة من الأديان والملل في دين واحد مستمد منها جميعًا، بحيث ينخلع أتباع تلك الأديان منها، وينخرطون في الدين الملفق الجديد.

وفرق ما بينه والاتجاه السابق، أن المناداة بـ(وحدة الأديان) تعني تصويب أوضاع قائمة ضمن أطرها الخاصة التي تميزها، بشرط عدم نفي أو استبعاد الآخرين، وربط تلك الوحدات المفردة بإطار عام يسوغ توجهاتها جميعًا. في حين أن (توحيد الأديان) تفعيل يقتضي إنهاء وحَلّ تلك الأوضاع السابقة ونسخها بوضع جديد، وإن كانت عناصره مأخوذة من حطام سابق.

View of Brazilian mural artist Eduardo Kobra’s recent work “Coexistence” – (Photo by NELSON ALMEIDA / AFP)

الاتجاه الثالث (التقريب بين الأديان):

وهو الاتجاه الأعم من حيث الدلالة، كما أنه الاتجاه السائد من حيث التطبيق؛ فهو يمثل معظم المحاولات العالمية والإقليمية والمحلية لإيجاد تواصل، وبناء علاقات بين مختلف الأديان والملل.

وعبارة (التقريب بين الأديان) – في ذاتها – هي عبارة مطاطية وحمَّالة للأوجه، لا تحمل مدلولًا اصطلاحيًا محددًا، فضلًا أن تكون ذات حقيقة شرعية ثابتة؛ فلفظ (التقريب) أو (التقارب Rapprochement) يدل على مسألة نسبية هي (القرب)، تتفاوت في حقيقتها وتطبيقاتها لدى مختلف الأطراف، بل وفي نظرة كل طرفٍ على حدة، في فترة زمنية معينة، فقد تقتصر على حدٍ أدنى من المجاملات الشكلية، وقد توغل في الاقتراب إلى درجة الاندماج والوحدة وسقوط الفوارق، وبين هذا وذاك مراتب عديدة.

الخصائص الفكرية التي يقوم عليها هذا الاتجاه والملاحظ عليها:

ويقوم هذا الاتجاه التقريبي على خصائص فكرية تتلخص في النقاط التالية:

  • اعتقاد إيمان الطرف الآخر، وإن لم يبلغ الإيمان التام الذي يعتقده هو.
  • نبذ ما يقوم به أرباب (توحيد الأديان) من جمع عناصر من مختلف الأديان أو محاولة حمل بعضها على بعض للوصول إلى وضع موحَّد.
  • الاعتراف بالآخر، واحترام عقائده وشعائره، ورفع الأحكام المسبقة.

أما من الناحية المنهجية، فيعتمد الأساليب التالية:

  • الدعوة إلى التعرف على الآخر كما يريد أن يُعرَف.
  • تجنب البحث في المسائل العقدية الشائكة.
  • نسيان الماضي التاريخي، والاعتذار عن أخطائه، ومحاولة التخلص من آثاره.
  • إبراز أوجه التشابه والاتفاق، وإقصاء أوجه الاختلاف والافتراق.
  • التعاون على تحقيق القيم المشتركة.
  • تبادل التهاني والزيارات والمجاملات في المناسبات الدينية المختلفة[6].

وعند إمعان النظر في هذه البنود وقراءة ما وراء سطورها ثم النظر إلى تطبيقاتها العملية في الواقع المشاهد نجد ما يدعو للشك والارتياب بل والطعن في حسن النية! وذلك – فيما رأيت – لأربعة أمور رئيسة:

الأول: هو أن ما تدعو إليه البنود إجمالًا من (الاعتراف بالآخر) فيما يخص الجانب العقدي، إضافة إلى تجنب البحث في المسائل العقدية الشائكة، فهذا قد حث عليه باعث خفي لدى القوم لانتزاع اعتراف ضمني من المسلمين بصحة دينهم، وهذا لا يستقيم بحال مع قول الله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [سبأ: 24]، بل له أبلغ الأثر في صد غير المسلمين عن سبيل الله، وفيه تعطيل لما توظفت به هذه الأمة من وظيفة الإبلاغ عن الله؛ والتي ذهب العلماء إلى أنها (الأصل) في علاقة المسلمين بغيرهم، ودليل ذلك رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء، وقول ابن عباس رضي الله عنهما: «ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا قط إلا دعاهم» [رواه أحمد، وقال شعيب: صحيح].

بل وكما استقر عند المسلمين بداهة أن أهم القضايا التي يجادلون فيها أهل الكتاب هي قضية التوحيد المطلق لله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ونبذ مظاهر الشرك وعبودية ما سوى الله تعالى، أي قضية (العودة إلى الأصل)، والعمدة في هذا الجدل الشرعي الصحيح قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 64]. ولكن – كما يقول الدكتور القاضي([7]) – «دعاة الحوار الحديث يريدون تنحية هذه القضية الأساسية وتحاشيها، لأن الحوار فيها يفسد الحوار، وهكذا يصبح الحوار غاية لا وسيلة. وفضلًا عن ذلك هو غاية غير واضحة يخبط المتحاورون فيه في التيه، بحرية ومغامرة لا يدرون إلى أين ينتهون»اهـ.

أما الأمر الثاني: فهو ما يؤدي إليه إعمال هذه البنود من فَصْم لعُرَى الإيمان؛ فلقد أخبر ربنا عز وجل أن أوثق عرى الإيمان هي الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وذلك في قوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا) [البقرة: 256]، بل وكما فصَّل رسوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه الطبراني في المعجم الكبير أن «أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله» [صححه الألباني]، فلا ريب أن إعمال هذه البنود على وجهها يؤدي – ولا بد – إلى محو حاجز الولاء والبراء الدقيق الفاصل.

يقول الدكتور صلاح الصاوي[8]: «إذا كان المقصود بالحوار بسط قضية الإسلام فهذا مما تعبد الله به عباده في جميع الأطوار والأحوال، سواء كانت الأمة في حالة انتصار أم في حالة انكسار. فنحن أمة دعوة ورسالة نبلغها لغيرنا من الناس في جميع أطوارنا، وفي جميع أحوالنا، فلا خلاف على بسط قضايانا، والدفاع عنها، وحشد الأدلة لإثباتها في أي طور، وعلى أية حالة كنا، فهذا القدر من المحكم يكمله أيضًا ألا ينكسر حاجز الولاء والبراء الذي أقامته الشريعة وجعلته أساسًا في التعامل بين المسلم وغير المسلم»اهـ.

أما الأمر الثالث: فهو لأمر كوني قدري مسلَّم به ابتداءً، وهو أنه مهما بلغت بالقوم درجة التسامح والتعايش السلمي في عصر ثقافة السلام المشبوهة، فهو أمر محدود بقول الله تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة: 120]، وقوله تعالى: (يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ) [التوبة: 8]، وقوله عز وجل: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ) [البقرة: 217]، وغير ذلك من الآيات.

أما الأمر الرابع: فهو أن إعمال هذه البنود ما لبث أن أظهر إشكالية بين الحوار والبشارة، الأمر الذي ألجأهم إلى بعض المناورات السياسية من أجل إمضاء الأهداف التبشيرية الرئيسية التي ابتدعها القديس بولس مخرجًا دعوة المسيح عليه السلام من الخصوص إلى العموم بقوله على لسان عيسى عليه السلام كما في إنجيل متَّى: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس» [متى 28: 19]، وقد قال عنه ربنا عز وجل: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) [آل عمران: 49]، وكما يذكر إنجيل متَّى قول الرب: «يا بيت لحم، أرض يهوذا، ما أنتِ الصُغرى في مدن يهوذا، لأن منكِ يخرج رئيس يرعى شعبي إسرائيل» [متى 2: 6]، بل وكما وصاهم المسيح بعدم الخروج إلى الأمم بقوله: «لا تقصدوا أرضًا وثنية ولا تدخلوا مدينة سامرية. بل اذهبوا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل»[متى 10: 5-6].

وندلل على قولنا بما تفوه به يوحنا پولس الثاني (1920 – 2005)، في إرشاد رسولي بشأن المصالحة والتوبة Adhortatio Apostolica de Reconciliation et Paenitentia، نشر في الثاني من ديسمبر عام 1984، إذ قال ما نصه[9]: «إن الحوار بالنسبة إلى الكنيسة هو نوعًا ما أداة، وعلى الأخص، طريقة للقيام بعملها في عالم اليوم. وفي الواقع أن المجمع الڤاتيكاني الثاني، بعد أن علَّم أن “الكنيسة تبدو علامة لتلك الأخوة التي تجعل الحوار الصريح ممكنًا وتزيده قوة، وذلك لمقتضى الرسالة التي تمتاز بها، ألا وهي إنارة الكون كله ببشارة الإنجيل وتوحيد البشر بروح واحد… وفي الواقع أن الكنيسة تستعمل طريقة الحوار لكي تحسن حمل الناس -سواء أكانوا يعرفون أنفسهم أنهم أعضاء الجماعة المسيحية بالعماد والاعتراف بالإيمان أم هم غرباء عنها- على الارتداد والتوبة، عن طريق تجديد ضميرهم وحياتهم تجديدًا عميقًا في ضوء سر الفداء والخلاص اللذين حققهما المسيح ووكلهما إلى خدمة كنيسته. إن الحوار الصحيح يرمي إذن بادئ بدء إلى تجديد كل من الناس بالارتداد الباطني والتوبة مع احترام كلِّي للضمائر(!)، واعتماد الصبر والتأني، والتقدم خطوة خطوة، على ما تقتضيه أحوال الناس في عصرنا»اهـ.

فكما يتبين إذن من كلامه، أن مبدأ الحوار لديه ما هو إلا كما قال اللاهوتي الفرنسي الأرثوذكسي أوليڤييه كليمون: «عملية تغليف مذهَّبة عصرية لحبة قديمة كانوا يفرضونها قهرًا على الشعوب فيما مضى»[10]. وعملية التغليف المذهَّبة هذه تتكشف سوءاتها في البيان الختامي للمجمع الڤاتيكاني الثاني (1962-1965)، المعروف ببيان (في عصرنا Nostra Aetate)، الصادر في 28 أكتوبر 1965، والذي جاء فيه[11]: «الكنيسة الكاثوليكية لا ترذل شيئًا مما هو حق ومقدس في هذه الديانات. بل تنظر بعين الاحترام والصراحة إلى تلك الطرق، طرق المسلك والحياة، وإلى تلك القواعد والتعاليم التي غالبًا ما تحمل شعاعًا من تلك الحقيقة التي تنير كل الناس، بالرغم من أنها تختلف في كثير من النقاط عن تلك التي تتمسك بها هي نفسها وتعرضها. ولذا فهي تبشر وعليها أن تبشر بالمسيح دون انقطاع… وإذا كانت قد نشأت، على مر القرون، منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين، فالمجمع المقدس يحض الجميع على أن يتناسوا الماضي وينصرفوا بالخلاص إلى التفاهم المتبادل، ويصونوا ويعززوا معًا العدالة الاجتماعية والخيور الأخلاقية والسلام والحرية لفائدة جميع الناس».

فالمفارقة المريبة، هي أن البيان المجمعي Nosta Aetate، الذي كلَّف البابا يوحنا الثالث والعشرين (1881-1963) الكاردينال بيا (1881-1968) بإعداده عام 1960، كان قد تحدد في الأصل لمناقشة علاقة الكنيسة الكاثوليكية باليهود، ولقد جاءت مسودة النص المجمعي عن اليهود Decretum de Judaeis تزيل عنهم تهمة (قتل الله)! وردَّها في المقابل إلى ذنوب البشر أجمع، وترتب على ذلك الرضوخ للمساعي اليهودية المتتابعة منذ عام 1920 لتعديل الصيغة التقليدية لصلاة الجمعة الحزينة، والتي تصف اليهود -كما جاء في رسالة كورنثوس الثانية- بأنهم «عميت أبصارهم، فلا يزال ذلك القناع إلى اليوم غير مكشوف عند قراءة العهد القديم، ولا ينزعه إلا المسيح»[كورنثوس الثانية 3: 14]، حتى خففت صيغة الصلاة في عام 1970 إلى: «لنصلي من أجل الشعب اليهودي، أول من سمع كلام الله، أن يستمروا في الارتقاء في حبه والإخلاص لعهده… يا رب استمع لكنيستك حينما تصلي من أجل من اخترتهم في القديم ليكونوا شعبك المختار، أن تمكنهم من الوصول إلى تمام الخلاص، ونحن نطلب ذلك من خلال المسيح ربنا، آمين»[12].

ولكن قوبلت مسودة البيان المجمعي بالرفض من قبل أساقفة البلدان العربية المشتركين في المجمع، حيث أجمعوا على أن التطرق إلى موضوع اليهود ونفي التهمة التاريخية عنهم قد يؤدي إلى الاعتراف بدولة إسرائيل من قبل الڤاتيكان من جهة، وقد يخدم مصلحة اليهود سياسيًا في نزاعهم مع العرب من جهة أخرى. وفي المقابل، كان الاقتراح المقدم هو أن المسودة من الممكن لها أن تُقَر وتَصدُر فقط في حال إذا كان الڤاتيكان سيتحدث عن ديانات أخرى، بما في ذلك الإسلام. وبالفعل مرت المسودة بعدة مراحل بعدها حتى انتهت إلى الصيغة النهائية للبيان Nostra Aetate (حول علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية Declaratio de Ecclesiae Habitudine Ad Religiones Non-Christianas)، والذي محيت منه عبارات خلافية مثل تلك التي تنفي عن اليهود تهمة (قتل الله)[13]، واكتفت في المقابل بالقول: «…وأن تكون سلطات اليهود وأتباعها هي التي حرضت على قتل المسيح، لا يمكن مع ذلك أن يُعزى ما اقترف أثناء آلامه، إلى كل اليهود الذين كانوا يعيشون آنذاك دونما تمييز ولا إلى يهود اليوم. وإن تكن الكنيسة شعب الله الجديد، يجب مع ذلك ألا ينظر إلى اليهود كمن رذلهم الله ولعنهم، كما لو كان ذلك ناتجًا من الكتب المقدسة»اهـ.

والمفارقة هنا تكمن في أنه مع عزم المجمع على تبرئة اليهود من دم المسيح عليه السلام، تجد أنه «سكت عن مشكلة وثوقية وصحة المكانة النبوية لمحمد صلى الله عليم وسلم، مع أن هذه المسألة جرى التعرض لها أثناء المناقشات والمداولات، حيث اقترح بعض المؤتمرين إدخال تعديل على مسودة الدستور العقائدي يؤكد أن المسلمين “يعبدون معنا الإله الواحد الرحيم… الذي كلم الناس بالأنبياء”، إلا أن اللجنة اللاهوتية المختصة ألغت هذه العبارة، نظرًا لأنها يمكن أن تؤول بشكل مثير للإشكال، كأن يفهم منها أن الله (تكلم عبر محمد صلى الله عليه وسلم)، وصاغ التصريح الختامي هذه العبارة بصورة مقتضبة: “الذي كلم الناس homines allocutum”»[14].

فالناظر في هذين الموقفين المتناقضين يدرك أن الأمر يحمل في طياته مصالح سياسية مستترة، خلافًا لما قد يشاع، بل خلافًا لما يذكره البيان نفسه من أن «الكنيسة لا تدفعها في ذلك الدوافع السياسية بل محبة الإنجيل الدينية متذكرة التراث المشترك مع اليهود».

المصدر: كتاب حصان طروادة – الغارة الفكرية على الديار السنّية، للكاتب.

اقرأ كذلك: الصهيونية المسيحية قبل الصهيونية اليهودية.


الهامش:

  • 1. دكتور أحمد القاضي: دعوة التقريب بين الأديان (1/335).
  • 2. ابن عربي: ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق، ص(39-40).
  • 3. خاطرات الأفغاني، ص(76) باختصار.
  • 4. انظر: المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران: نصوص خارج المجموعة، ص(90).
  • 5. للتوسع في مبحث روچيه جارودي، انظر: د. أحمد القاضي: دعوة التقريب بين الأديان (2/839) وما بعدها.
  • 6. انظر السابق (1/335-6).
  • 7. د. أحمد القاضي: دعوة التقريب بين الأديان (1/430).
  • 8. من مقال له بعنوان: لا بديل عن سلفية المنهج وعصرية المواجهة، نشره موقع (مفكرة الإسلام)، بتاريخ الأربعاء 29/8/2007.  www.islammemo.cc
  • 9. موقع الڤاتيكان الرسمي.
  • 10. انظر، د. زينب عبد العزيز: تنصير العالم، مناقشة لخطاب البابا يوحنا پولس الثاني، ص(97).
  • 11. موقع الڤاتيكان الرسمي.
  • 12. انظر، ويكيپيديا، مادة: Good Friday Prayer for the Jews
  • 13. انظر، ألكسي چوراڤسكي: الإسلام والمسيحية، ص(118-9).
  • 14. انظر، ألكسي چوراڤسكي: الإسلام والمسيحية، ص(124-7)، وانظر نص البيان على الرابط المتقدم.

فكرتين عن“الدين الإبراهيمي الجديد وجذوره التاريخية”

التعليقات مغلقة.