إشكالية تدوين التاريخ الإسلامي

للبعض أن يسأل..

كيف يتسنى للمخربين من نجوم الشاشات العبث في تراث وثوابت الدين الإسلامي محاولين زعزعته ونفخ سموم الشك في نفوس أتباعه تحت ستار التجديد والتنقيح وما إلى ذلك من إفك، بحجة أنها نصوص ثابته ينقلونها كغيرهم ممن ينهلون من أمهات الكتب والمصادر الأولى ويتكلمون بالحجة والدليل العلمي؟

والجواب على ذلك يكون بإرساء بعض القواعد، ووضع النقاط فوق الحروف..

فيقول الأستاذ الدكتور محمد أمحزون: «إن الأمر الذي لا بد أن يعيه الباحثون في التاريخ الإسلامي أن الحقائق التاريخية الناصعة فيه ينبغي استخراجها من الأنقاض، أنقاض الأوهام والمفتريات وأنقاض الأهواء والبدع والعصبيات والمذهبيات وما يتعلق بها، مما افتراه المفترون ووضعه الوضاعون من بين رواة الأخبار. وإذا أخذنا الحديث النبوي وما لحقه من وضع وتحريف، فإن الذين تورطوا في ذلك ليسوا قِلَّة حتى احتاجوا من جهابذة العلماء إلى تصانيف خاصة بهم كالمجروحين والمتروكين والضعفاء.

على أن غالبية النصوص والروايات التاريخية إنما دونت بعد نشأة الفرق المتمذهبة، وظهور أصحاب الأهواء والبدع والزنادقة. ومعلوم أن من أسباب الكذب حرص أصحاب البدع والأهواء على دعوة الناس إلى بدعهم، ودعوة الفرق ذات الآراء السياسية إلى آرائها.

لقد أثار انتشار الإسلام وامتداد الفتوح الإسلامية في عهد الخلافة الراشدة شرقًا وغربًا حفيظة أعداء الإسلام، وراموا كيده والنيل من المسلمين، وكانت وسيلتهم في البداية مجابهة المسلمين في ميادين القتال، ولكن جهودهم باءت بالفشل حيث توالت عليهم الضربات في مواقع: القادسية ونهاوند وتُستَر… إلخ، فرأوا أن كيد الإسلام بالحيلة والوقيعة أنجع، فأخذوا يحيكون مخططاتهم في الخفاء لهدم الإسلام وتفتيت وحدة المسلمين.

ومن ضمن خططهم تزييف الأخبار وترويج الشائعات الكاذبة التي استهدفت النيل من الإسلام بتشويه سيرة الصحابة y إذ إن التشكيك في ثقتهم وعدالتهم هو تشكيك بالتالي في صحة الإسلام وعدم صلاحيته»اهـ[1].

أضف إلى ذلك أن القدح في أهل خير القرون الذين صحبوا الرسول -عليه الصلاة والسلام- هو بمثابة القدح فيه -عليه الصلاة والسلام-، فكما قال الإمام مالك (93-179هـ) وغيره من أئمة العلم: «هؤلاء – يعني الرافضة ومن على شاكلتهم من الزنادقة – طعنوا في أصحاب رسول الله r إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين»[2].

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الكذب له أسباب تقتضيه منها[3]:

  • الزندقة والإلحاد في دين الله.
  • نصرة المذاهب والأهواء.
  • الترغيب والترهيب لمن يظن جواز ذلك.
  • الأغراض الدنيوية لجمع الحطام.
  • حب الرياسة بالحديث الغريب.

ويعرض ابن خلدون للدوافع والأسباب التي تقود إلى الوضع والكذب في الأخبار فيذكر منها[4]:

  • التشيعات للآراء والمذاهب.
  • الثقة بالناقلين: ويرجع هذا إلى عدم التثبت من هوية الرواة ونقلة الأخبار والثقة العمياء بما يروونه.
  • الذهول عن المقاصد: ويرجع هذا إلى عدم معرفة الناقل بمقاصد ما سمع أو نقل، وتوهمه الصدق فيما نقله.
  • الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع: لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع، فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتصنع على غير حق في نفسه.
  • تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التَّجِلَّة والمراتب: وهذا يعني محاولة بعض المتملقين التقرب لأصحاب السلطة والنفوذ والجاه بأن يضعوا أحاديث تقربهم من الحكام والأكابر مما يؤدي بهم إلى إشاعة أخبار كاذبة لنيل رضاهم.
  • جهل المؤرخين بطبائع العمران:فابن خلدون يرى أن لكل ظاهرة في الوجود سواء كانت طبيعية أو اجتماعية قوانين تحكمها. والمقصود بالظواهر الطبيعية: ظواهر علم الفلك والطبيعة وما له علاقة بسنن الحياة بالنسبة للإنسان والحيوان والنبات.

يقول محب الدين الخطيب رحمه الله[5]: «إن التاريخ الإسلامي لم يبدأ تدوينه إلا بعد زوال بنى أمية وقيام دول لا يسُر رجالها التحدث بمفاخر ذلك الماضي ومحاسن أهله. فتولى تدوين تاريخ الإسلام ثلاث طوائف:

  • طائفة كانت تنشد العيش والجدة من التقرب إلى مبغضي بني أمية بما تكتبه وتؤلفه.
  • وطائفة ظنت أن التدوين لا يتم، ولا يكون التقرب إلى الله، إلا بتشويه سمعة أبي بكر وعمر وعثمان وبنى عبد شمس جميعًا y.
  • وطائفة ثالثة من أهل الإنصاف والدين، كالطبري وابن عساكر وابن الأثير وابن كثير.. رأت أن من الإنصاف أن تجمع أخبار الإخباريين من كل المذاهب والمشارب كأبي مخنف لوط بن يحيى وهشام الكلبي والواقدي وسيف بن عمر العراقي.. ولعل بعضهم اضطر إلى ذلك إرضاء لجهات كان يشعر بقوتها ومكانتها».

ويعقب الدكتور محمد أمحزون فيقول[6]: «وقد أثبت هؤلاء أسماء رواة الأخبار التي أوردوها ليكون الباحث على بصيرة من كل خبر بالبحث عن حال رواته. وقد وصلت إلينا هذه التركة لا على أنها هي تاريخنا، بل على أنها مادة غزيرة للدرس والبحث يستخرج منها تاريخنا. وهذا ممكن ميسور إذا تولاه من يلاحظ مواطن القوة والضعف في هذه المصادر وفق المقاييس الشرعية، فيستخلص بذلك حقيقة ما وقع، ويجردها عن الذي لم يقع، مكتفيًا بأصول الأخبار الصحيحة مجردة عن التحريفات الطارئة عليها، وإن الرجوع إلى كتب الحديث وملاحظات الأئمة والعلماء مما يسهل هذه المهمة»اهـ.

ولقد أفاد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله (1333-1420هـ/1914-1999م) في مقدمة تحقيقه لكتاب (اقتضاء العلم العمل) للخطيب البغدادي (392-462هـ)[7] بقوله: «قد يقول قائل: إذا كان المؤلف [يعني الخطيب] بتلك المنزلة العالية في المعرفة بصحيح الحديث ومطروحه، فما لنا نرى كتابه هذا وغيره من كتبه قد شحنها بالأحاديث الواهية؟ والجواب: أن القاعدة عند علماء الحديث أن المحدث إذا ساق الحديث بسنده، فقد برئت عهدته منه، ولا مسئولية عليه في روايته مادام أنه قد قرن معه الوسيلة التي تُمَكِّن العالِم من معرفة ما إذا كان الحديث صحيحًا أو غير صحيح، ألا وهي الإسناد: (من أسند فقد أحالك). نعم، كان الأولى بهم أن يُتبِعوا كل حديث ببيان درجته من الصحة أو الضعف، ولكن الواقع يشهد أن ذلك غير ممكن بالنسبة لكل واحد منهم، وفي جميع أحاديثه على كثرتها لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن، ولكن أذكر منها أهمها، وهي أن كثيرًا من الأحاديث لا تظهر صحتها أو ضعفها إلا بجمع الطرق والأسانيد، فإن ذلك مما يساعد على معرفة علل الحديث، وما يصح من أحاديث لغيره، ولو أن المحدثين كلهم انصرفوا إلى التحقيق وتمييز الصحيح من الضعيف لما استطاعوا – والله أعلم – أن يحفظوا لنا هذه الثروة الضخمة من الأحاديث والأسانيد، ولذلك انصبَّت همم جمهورهم على مجرد الرواية إلا فيما شاء الله، وانصرف سائرهم إلى النقد والتحقيق مع الحفظ والرواية، وقليل ما هم، (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ) [البقرة: 148]»اهـ.

ولقد دلنا على ذلك ما قاله الإمام الطبري رحمه الله في مقدمة تاريخه، قال[8]: «وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه، إنما هو على ما رُويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها. فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا من الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قِبَلنا، وإنما أتى من قِبَل ناقليه إلينا، وإنَّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا»اهـ.

ولذلك فلا ينبغي علينا أن ننساق بخفّة وراء حيل ومشاغبات هؤلاء بظاهرها العلمي الخدّاع، ويجب مقابلتها والنظر فيها بثبات وهدوء، فكما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:

«قال لي شيخ الإسلام رحمه الله: “لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليه صار مقرًا للشبهات” – أو كما قال -، فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك، وإنما سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها، فإنها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل»[9]


[مستفاد من كتاب حصان طروادة؛ الغارة الفكرية على الديار السنّية، عمرو كامل عمر، ص450-454]


  • 1) د. محمد أمحزون: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، ص(38-39).
  • 2) انظر، ابن تيمية: مجموع الفتاوى (4/429).
  • 3) السابق (18/46).
  • 4) مقدمة ابن خلدون، ص(46-47) بتصرف.
  • 5) العواصم من القواصم، ص(177) الهامش بتصرف.
  • 6) د. محمد أمحزون: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، ص(47).
  • 7) انظر مقدمة الألباني رحمه الله، ص(5-6)، تحت عنوان: فائدة.
  • 8) تاريخ الطبري (1/8).
  • 9) ابن قيم الجوزية: مفتاح دار السعادة (1/176).