last supper - العشاء الأخير - ليوناردو دافينشي شيفرة دافنشي - روبرت لانجدون - روبرت لانغدون - دان براون - davinci code - dan brown - robert langdon - أخوية سيون - brethren of sion

هل شيفرة دافنشي حقيقية؟

في البدء كان الانبهار، والانبهاء صار فضولا، وكان الفضول صدمة ومفاجأة.. فرواية “شيفرة دافنشي” لدان براون؛ الصادرة في عام 2003 والتي بيع منها حوالي 80 مليون نسخة حول العالم، يدور مدارها حول السر الذي تحتفظ به جمعية سرية تدعى “أخوية سيون” وتتوارثه الأجيال منذ تأسيسها في عام 1099 إبّان الحروب الصليبية. ذاك السر الخطير الذي يقوّض بنيان الفاتيكان من الأساس، والذي حاول الأخير دوما التوصل إليه وطمس معالمه.. ويتلخص في احتفاظ هذه الجمعية السرية بخط الدم المنحدر من نسل عيسى -عليه السلام- بزواجه من مريم المجدلية، والذي نتج عنه إنجابهما لفتاة (سارة)، والتي تم تهريبها للعيش في فرنسا، وهناك تزوجت من العائلة الملكية الفرنسية الأصيلة “الميروفنجيين”، وظل خط الدم ينحدر إلى أن وصل إلى هذه الأخوية، والتي ضمت في عضويتها على مر التاريخ شخصيات بارزة مثل ليوناردو دافنشي (1452 – 1529)، الذي بدوره طعّم لوحاته بإشارات خفية تدل على هذا السر، وأبرزها لوحة “العشاء الأخير”، والتي أشار فيها إلى أن “الكأس المقدسة” ما هي إلا رحم مريم المجدلية.. وتتوالى أحداث الرواية المثيرة، والتي ترجمت في عام 2006 إلى فيلم من بطولة توم هانكس أثار كلاهما جدلا لم ينته حتى اليوم.

وقد ارتكز دان براون في هذه روايته الغامضة على دراسة تاريخية صدرت عام 1982 لـ هنري لينكولن وجماعة آخرين -لم تكن الوحيدة من نوعها – بعنوان “الدم المقدس – الكأس المقدسة” ، كانت الأكثر مبيعا في حينها، والتي أقامها “لينكولن” على أطروحة وقع عليها “صدفة” في كتاب لـ جيرارد دي سيد  (1921 – 2004) بعنوان “الكنز الملعون في قرية رين لي شاتو”، والذي ضم في مقدمته صورة لمخطوطة تحمل رموز خفية تشير إلى كنز الملك الميروفينجي “داجوبير الثاني”  (650 – 679)، والذي اكتشفه القس “بيرينجي سونيير”  (1852 – 1917) أثناء ترميمه لكنيسته في قرية “رين لي شاتو”، والذي صار بعد ذلك ثريا ثراء فاحشا… فاعتمد “لينكولن” هذه الأطروحة كحقيقة علمية وبحث تاريخي ثابت، وأضاف لها بعدا آخرا؛ وهو أن ذلك الكنز اشتمل على مخطوطات تحفظ خط الدم المقدس للمسيح -عليه السلام-، والتي استطاع بها “سونيير” ابتزاز الفاتيكان، وحصّل منهم في المقابل ثروة طائلة… ولم يجتهد “لينكولن” في التثبت من الوثائق المنشورة في كتاب “دي سيد” – وبدا وكأنه لم ينتبه لذلك، ولا “دان براون” من بعده -والتي تبين بمر الزمان أن ما هي إلا مخطوطة مزورة من صنيع الفرنسي “بيير بلانتار”  (1920 – 2000) المؤسس الحقيقي لأخوية سيون- والتي تأسست في عام 1956 وانحلت في نفس العام، والتي زورها بمعاونة صديقه “فيليب دي شيريسي”  (1923 – 1985)، ونسب “بلانتار” فيها لنسل “داجوبير الثاني” وخط الدم “الميروفنجي” المقدس المنحدر من المسيح -عليه السلام- ومريم المجدلية.. ولا أظن دراسة دوافعه وراء ذلك مجدية؛ فلعله كان يصنع مجدا وشهرة لنفسه ولجمعيته، لكن ما يهمنا هو أنه بعدما ذاع صيته وانكشف أمره أنكر هذا الأمر وأقر -كما أقر غيره- بالتزوير.. لكن العجيب أن لا هنري لينكولن ولا دان براون ولا مَن نسج على منوالهما انتبه لهذا الأمر الذي ينسف أطروحاتهم من الأساس! والمؤسف هو أن رواية دان براون “شيفرة دافنشي” الرائعة والتي يناقش فيها العديد من الأفكار الفلسفية والدينية والتاريخية العميقة، نتيجة ربطها بـ “أخوية سيون” وتاريخها المزعوم، جعل النقد الذي يوجه للرواية ينتقص كثيرا من قيمة الأفكار الجريئة التي يطرحها براون، الأمر الذي جعل بعض القراء يصفون روايته بـ “الكلام الفارغ لكن الممتع “Pure nonsense but fun.

وبوجه خاص؛ فلا يهمني صحة هذا الرأي -المتعلق بخط الدم- من عدمه، فهو في شرعنا مسكوت عنه، وحكمه عندي حكم الإسرائيليات، والثابت في ديننا أن عيسى -صلى الله عليه وسلم- ما هو إلا بشر رسول، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.. لكن ما يهمني هو الإشارة إلى ضرورة عدم الانسياق الأعمى وراء كل رأي أو نظرية، والتفريع عنها بغير تمحيص أو تدقيق، فالباحث عن الحق والداعي له لابد له دوما التثبت من نقله قبل رفع البنيان.

اقرأ كذلك: ماذا خسرت الدعوة بنقص أعمالها الأدبية؟