الماسونية العالمية - محفل ماسوني - الماسونية تحكم العالم

الماسونية العالمية: كيف تحكم الماسونية العالم؟

كيف تحكم الماسونية العالم؟تدور حولنا الكثير من المشاهد الصغيرة والكبيرة، التي تغير مجريات الأحداث وتقلب الأمور رأسًا على عقب بغير تفسير واضح، وبطبيعة الحال فإن عقلنا البشري «إن لم يجد نموذجًا تفسيريًا ملائمًا لواقعة ما، فإنه يميل إلى اختزالها وردها إلى أياد خفية تُنسَب إليها كافة التغييرات والأحداث»، وهذه اليد هي الماسونية في أغلب الأحوال.

ولنجيب عن هذا السؤال، ولنعرف هل الماسونية بالفعل تحكم العالم؟ أرى أن ننظر إلى المسألة من زاوية أوسع.

ولنبدأ بعرض تعريف موضوعي للماسونية، من ضمن تعريفات كثيرة «لا تقوم على ساقٍ صحيحة ولا ساق عرجاء» (والتعبير للعلامة محمود شاكر رحمه الله).

فننتقى تعريف الأب لويس شيخو (١٨٥٩ – ١٩٢٨)؛ والذي بعد أن نقل في كتابه “السر المصون في شيعة الفْرِمَسُون” أقوال أعلام الماسونية العرب كشاهين مكاريوس (١٨٥٣ – ١٩١٠) وچورچي زيدان (١٨٦١ – ١٩١٤)، والتي وصفها بأنها «الأساطير التي تغلب على أحاديث خرافة ويجدر بها أن تلحق بأقاصيص الزير وبني هلال وعنتر!».

لويس شيخو اليسوعي
لويس شيخو اليسوعي

يطرح رأيه قائلًا: «لا يُنكر أنه شاعت بين الوثنيين في القرون السابقة لعهد المسيح عدة جمعيات سرية كانت تحجب أسرارها الفاسدة تحت ستر الظلمة فتدَّعي ظاهرًا ترقية العلوم أو التقرب من الآلهة، وهي في الواقع موارد خلاعة وتهتُّك…»، إلى أن يقول: «إنه لأقرب من العقل والتصديق أن يقال إن الماسونية هي حفيدة لجمعيات أخر وشيع سرية ظهرت في أوائل النصرانية، فقامت لمناصبة الدين المسيحي، وتعرضت لأربابه، وبثت في حقه الأكاذيب والتهم، إلا أن سهمها طاش عن غرضه. وكان أصحاب هذه الشيع يعرفون باسم الأدريين ويتظاهرون بخدمة العلوم وما كانت علومهم سوى أوهام استعاروها من التنجيم والنيرنجيات وفنون السحر وغاياتها في الغالب تعظيم القوى الطبيعية ورفع البشرية إلى درجة اللاهوت على مقتضى مبدأ الحلولية أو الانتشار. وقامت في القرن الثالث للميلاد الشيعة المانوية فأخذت من أقوال الأدريين وزادت عليها مبدأ الثانوية فجعلت إلهًا للخير وإلهًا للشر يتنازعان بينهما السيطرة في العالم. ولا شك أن في المذهب الماسوني بقايا من تلك الشيع كما أقر بالأمر أحد زعماء الماسونية الكبار في ألمانيا ومنشئ بعض فرقها المعروفة بفئة المتنورين، نريد الدكتور [آدم] وَيسهوپت [١٧٤٨ – ١٨٣٠]… ومن أجداد الماسونيين الذين لهم حقوق الأبوة عليهم شيعة الهيكليين. كان هؤلاء أول أمرهم طائفة رهبانية مركزها في القدس الشريف أنشئت للدفاع عن الأراضي المقدسة في أيام الصليبيين، إلا أنها بعد حقبة من الدهر زاغ رهبانها عن قوانينهم، وأهملوا نذورهم الصالحة، وتسرب إليهم حب الملاذ، فاختلطوا بشيع شرقية ساد فيها الفساد، وائتسوا بآداب أصحابها، وحذوا حذوهم في المنكرات فشذبتهم الكنيسة وأمرت بإلغائهم، وبقي منهم بقايا نفثوا بعد ذلك سمَّهم بالشيع الماسونية… وأخيرًا في الماسونية أيضًا وفي طقوسها وشعائرها وأحكامها عدة أشياء تشير إلى تاريخ اليهود وسننهم وعاداتهم ولا سيما إحدى شيعهم السرية بعد المسيح تعرف بشيعة القبَّاليين انتشرت في العصور الوسطى ومزجت بين التعاليم الفلسفية والأقوال السفسطية والأضاليل السحرية… وآثار تلك الشيعة اليهودية ظاهرة في أعمال الماسونية ورُتبها وأزيائها وطقوسها وشعائرها السرية… فكل هذه النِحَل التي سبق ذكرها قد تعاقبت وتناصرت وائتلفت فتركبت من مجموعها الشيع الماسونية فكانت تلك الفرق كسواعد جرت مياهها إلى نهر كبير أو بالأحرى كجداول إلى سيل جحاف هد سدوده وتجاوز حدوده وعاث ما شاء في السهول والأودية»اهـ.

آدم وايزهاوبت
آدم وايزهاوبت

فكما يتضح من كلامه أن الماسونية -كجماعة أو كيان متماسك- هي نتاج تراكمات اعتقادية وفكرية كثيرة، وتلاقح ثقافات مختلفة على مر العصور وأنها -كغيرها من الأفكار- منبثقة من أصل باطني واحد، والذي تعتبر “المانوية” هي أحد أهم روافده.

مانوية
مانوية

ومن زاوية اعتقادية أكثر اتساعًا، تجد أن مبدأ الأمر كله في وعيد إبليس: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: ١٦]، وتكليفه لجنده من الجن بالاتصال ببني البشر من قديم الأزل، وغوايتهم وإغرائهم بالسحر وبكل خارج عن الإطار البشري الطبيعي، وإكسابهم بذلك حالة خارقة وحرية مزعومة، أخرجتهم من عبودية الله إلى عبودية أنفسهم والشياطين، وجعلت منهم آلهة من دون الله، ومن ثم جعلت من طريقتهم شريعة من دون شرع الله المنزل لأنبيائه ورسله، فحصلت لهم السطوة والقوة والمهابة، واتَّبعهم كل من كان في قلبه مرض، فتوارثوا طريقتهم وتعاليمهم فيما بينهم، فكثر الأتباع وانقسموا على أنفسهم، وظلوا يُزيدون ويُنقصون ويطورون، مكتسيًا بعضهم برداء الخير والبعض الآخر برداء الشر، والكل يتبع بما يوافق هواه، ويصير إبليس في نظر هؤلاء هو رمز القوة والحرية والتمرد.

ومع بروز العلمانية وسقوط الدين من موازين العقل الغربي، والحُجب التي حالت دون التعرف بدين الله الحق، أصبح الخواء الروحي للإنسان، وحاجته الضرورية للاتصال بالسماء، لا يمكن إشباعه إلا من خلال هذه القنوات الشيطانية المتعددة، سمِّها ماسونية، مانوية، شرق آسيوية، طبيعية، إنسانوية، حركة العصر الجديد… لا يهم، فالمشكاة الخبيثة واحدة، والأفكار -كما يصفها الأستاذ محمد السماك- هي «أشبه ما تكون بالڤيروسات، فهي تعيش وتنتشر عندما تجد استعدادًا لتقبلها، وهي تموت وتندثر عندما تواجه مناعة ترفضها وتقطع أوصالها»، لا سيما في زمان أصبح فيه تقديس العقل والذات هو سمة العصر، وأصبحت الأفكار تَرُوج وتنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي بغير أدنى مشقة، فيقع الناس فريسة لهذا الفكر أو هذه الجماعة أو تلك، فالظلمات كثيرة والنور واحد.

والماسونية على وجه الخصوص -كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري- «هي بنت محيطها الحضاري التاريخي والجغرافي، فلا يوجد نسق عالمي واحد ينطبق على الماسونيين في كل زمان ومكان، فقد كانت ألمانية في ألمانيا، وإنجليزية في إنجلترا وفرنسية في فرنسا. ولذا، فقد تغيرت هي ذاتها مع تغير أوروپا… وبحسب ما توفر لدينا من وثائق، ليست هناك هيئة مركزية عالمية تضم كل المحافل الماسونية. كما أن هناك يهودًا معادين للماسونية وماسونيين معادين لليهود… وتحرم اليهودية الأرثوذكسية على اليهود الانضمام إلى المحافل الماسونية، وتعتبر من ينضم إليها خارجًا على الدين، هذا على خلاف الصيغ اليهودية المخففة مثل اليهودية الإصلاحية… وقد قامت بعض المحافل الماسونية العربية بنقد الصهيونية واشتركت بعض القيادات الماسونية في المقاومة ضد الاستيطان الصهيوني. وعكس ذلك صحيح أيضًا».

محفل ماسوني

فالخلاصة إذن: أن الماسونية هي إحدى تجليات حالة الصراع العام الأزلي بين الخير والشر، وأما أن تصوَّر الماسونية -أو غيرها- كـ “آلة قدرية” تهيء الأجواء وفقًا لمخططاتها المحكمة، وأن البشر صاروا بين أيديهم “أحجارًا على رقعة الشطرنج”، كما يصف وليم جاي كار (١٨٩٥ – ١٩٥٩) في كتابه المعروف، فهذا من الكسل الفكري العام، أو في المقابل هو ذكاء يتسم ببعد النظر من جانب أتباع هذه الجماعة أو غيرها، لما تضفيه هذه الحالة من الغموض والرهبة والهيبة والسلطان.

وإن ظلت هذه المسألة تفتقر دائمًا إلى الأدلة القاطعة أو الخيوط الواضحة التي يمكن التقاطها وتتبعها إلى منتهاها بيقين تام، وأن مكانها علميًّا سيظل هو باب العلم الزائف Pseudoscience، فستظل معركة الخير والشر، ومعركة الدجال حقًا ويقينًا، وسيظل الدليل العمَلي الذي بين أيدينا هو قول الله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) [الأنعام: ١١٢]، فتمهيد الأرض للدجال هو ديدن إبليس وجنوده منذ قديم الأزل، وإن جهلنا الكيفية ونسجت حولها الحكايات والأساطير والتأويلات.

والله تعالى أعلم.

اقرأ أيضًا: صورة الإسلام في الغرب كيف تشكلت؟

اقرأ كذلك: ما لا تعرفه عن بروتوكولات حكماء صهيون.